ابن الوزان الزياتي
216
وصف افريقيا
معمورة معمورة مدينة صغيرة بناها أحد ملوك الموحدين عند مصب نهر سبو ، ولكن على مسافة ميل ونصف من النقطة التي يصب فيها هذا النهر في البحر وعلى مسافة اثنين وعشرين ميلا من سلا . وتتمثل ضواحيها في سهل رملي « 63 » . وقد تأسست كي تحمي المصب ولتحول دون دخول السفن المعادية في النهر . وتوجد بجوار المدينة غابة يعثر فيها على أشجار بلوط عالية جدا « 64 » ، وثمار بلوطها طويلة وبحجم خوخ دمشق . ولهذه البلوطات طعم أطيب مذاقا وأكثر حلاوة ولذة من الكستناء . ومن عادة العرب بجوار هذه الغابة أن يشحنوا كمية كبيرة منها إلى فاس على جمالهم ويربحوا من وراء ذلك الكثير من المال . كما يقوم بغالة معمورة ، بدورهم أيضا ، بنقل كمية منها ويحصلون بذلك على ربح كبير . ولكن خطر الأسود داهم فكثيرا ما تفترس هذه الأسود الماشية والناس الذين لم يعتادوا عليها ( ولم يعرفوا طبيعتها ) لأن أسود هذه الغابة أكثر ضراوة من كل مثيلاتها في سائر إفريقيا « 65 » . وقد مضى على خراب هذه المدينة مائة وعشرون عاما على أثر الحرب التي شنها سعيد على ملك فاس « 66 » . وفي 921 ه أرسل ملك البرتغال أسطولا كبيرا جدا كي يستطيع في حراسته أن يبني قصرا عند مصب النهر « 67 » . وعمل البرتغاليون بمجرد وصولهم
--> ( 63 ) كانت أطلالها لا تزال مائلة عند ضفة نهر سبو عندما كان البرتغاليون الذين سموها ، « معمورة افلها » ، أي المعمورة العتيقة ، كانوا يجهزون حملة في هذه المنطقة . ولكن هذه الأطلال اختفت الآن تماما . والمسافة المذكورة هنا وهي 5 ، 2 كم من البحر تطابق تقريبا موقع بيرنقطة . ( 64 ) هو البلوط ذو الثمار الحلوة Quercusilex ( 65 ) لقد اختفت أسود غابة المعمورة ، وكذلك حلت أشجار بلوط الفلين ( الخفاف ) مكان البلوط ذي الثمار الحلوة . ( 66 ) لقد كتبت هذه الفقرة بكل تأكيد في عام 1525 م / 932 ه . وبذلك يصحح المؤلف التاريخ المغلوط وهو 918 ه ، والذي أعطانا إياه قبل قليل في معرض حرب المدعي السعيد ضد السلطان أبي سعيد عثمان والذي حدده بعام 812 ه أو بين 16 / 5 / 1409 و 5 / 5 / 1410 م « وهنا لا نجد مندوحة من التنويه بأن ملك غرناطة من بني الأحمر والذي كان حينذاك يدفع الجزية عن يد وهو صاغر لملوك قشتالة الأسبان ، كان ينفس عن مذلته تحروب جانبية ضد إخوانه الملوك المسلمين في العدوة الإفريقية ، الذين كانوا يتعرضون في نفس الوقت لضربات متلاحقة من الأسبان وغيرهم ولا سيما من البرتغاليين ، كما يقول الشاعر : أسد على وفي الحروب نعامة . وهذا الواقع المرير يتكرر بكل سخافته في عصرنا هذا بين بعض الدول العربية التي لا يقل تخاذلها امام اليهود عن شجاعتها وغدرها تجاه بعضها البعض ، ولعل في ذلك بعض العبرة لمن يعقل . وقد ظهر في بيروت قبل حوالي عشرة أعوام كتاب يحمل عنوان « يا عقلاء العرب اتحدوا » ( المترجم ) ( 67 ) حدث هذا الإنزال البرتغالي يوم الأحد 24 حزيران ( يونية ) 1515 / 12 جمادي الأول 921 ه . وقد سمي القصر الذي بدأ بناؤه فورا على ضفة سبو ، في حضيض تل المهدية ، سمى القديس حنا المعمورة .